بقلم / محمـــــــد الدكــــــــرورى
الفضل والأحكام
للصلاة في الحِجْر فضل عظيم، فعن ابن عباس قال: «صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار». قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار، قال: تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار، قال: ماء زمزم. يوالموضع الذي ذكره ابن عباس أنه تحت ميزاب الكعبة يقع داخل الحِجْر. وروي عن عبد الله بن عمر قوله: «أن قبلة النبي صلى الله عليه وسلم تحت الميزاب». وفي رواية أخرى أنه قال في آية فلنولينك قبلة ترضاها: «قبلة إبراهيم تحت الميزاب». يعني في الحجر. وروي عن عثمان بن عفان أنه أقبل ذات يوم فقال لأصحابه: «ألا تسألوني من أين جئت، قالوا: من أين جئت يا أمير المؤمنين، قال: كنت قائمًا على باب الجنة، وكان قائمًا تحت الميزاب يدعو الله عنده». ويروى عن أبي هريرة وسعيد بن جبير وزين العابدين بن الحسين أنهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب من الكعبة. وقال ابن اسحاق في السيرة النبوية: «إن إسماعيل عليه السلام دفن مع أمه عليها السلام في الحجر». ويقال أن موضع قبر إسماعيل بين الميزاب إلى باب الحجر الغربي.
الصلاة في حجر إسماعيل مستحبة عند عموم علماء المسلمين لأنه من البيت، وقد صح عن النبي: أنه دخل الكعبة عام الفتح وصلى فيها ركعتين، وقد روت عائشة بنت أبي بكر لما أرادت دخول الكعبة: «كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني في الحجر فقال صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت». أما الفريضة فالأحوط عدم أدائها في الكعبة أو في الحجر، لأن النبي لم يفعل ذلك ولأن بعض أهل العلم قالوا: إنها لا تصح في الكعبة ولا في الحجر لأنه من البيت، قال ابن قدامة: «لا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوزه الشافعي وأبو حنيفة لأنه مسجد، ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلا للفرض كخارجها، ولنا: قول الله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة، بدليل صلاتها قاعدا وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة». أما ركعتا الطواف فإنه يستحب الإتيان بهما خلف مقام إبراهيم إن أمكن ذلك، ويصح الإتيان بهما في أي مكان من الحرم حتى في الحجر عند الجمهور، قال ابن المنذر النيسابوري: «أجمع العلماء على أن ركعتي الطواف تصحان حيث صلاهما، إلا مالكًا فإنه كره فعلهما في الحجر».
يُعد الحٍجْر جزءًا من الكعبة، فلا يجوز لطائف بالبيت في حج أو عمرة أو نفل أن يدخل من حجر إسماعيل ولا يجزئه ذلك لو فعله، لأن الطواف بالبيت والحجر من البيت، لقول الله: وليطوفوا بالبيت العتيق، ولما روته عائشة قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجر قال: هو من البيت» وفي لفظ قالت: «إني نذرت أن أصلي في البيت قال: صلي في الحجر فإن الحجر من البيت». أما حكم اتجاه القبلة لمن صلى داخل الحجر، فقال العلماء أن ليس كل الحجر الموجود اليوم من الكعبة، بل الذي منها مقدار ستة أذرع، وقد نص عدد من الفقهاء على أن من صلى في الحجر فإنه يستقبل الكعبة ولو صلى إلى غير الكعبة بطلت صلاته، قال الحطاب المالكي: «أما الحجر فلا تصح الصلاة فيه إلا إلى الكعبة فلو شرق أو غرب أو استدبر الكعبة فصلاته باطلة»، وممن قال بالبطلان الحنفية والمالكية في المعتمد الراجح عندهم، والشافعية، وفريق من الحنابلة كابن حامد الحسن بن حامد البغدادي، وأبو الوفاء بن عقيل. وقد ذكر بعض الفقهاء أقوالًا حاصلها أن لا وجه لإبطال الصلاة ما دام الحجر من الكعبة، وممن قال بهذا القول الحنابلة في المعتمد عندهم، وهو قول عند المالكية اعتمده فريق منهم كأبي الحسن اللخمي، وهو قول مشهور عند الشافعية.

تعليقات
إرسال تعليق